الشيخ راضي آل ياسين
55
صلح الحسن ( ع )
اليه المركز الدينيّ الأعلى ، وهو من عرفت مقامه وسموّه ومميزاته . وإذا تعذر علينا أن نفهم الإمامة والكفاءة للخلافة ، من هذه القابليات الممتازة والمناقب الفضلى ، فأي علامة أخرى تنوب عنها أو تكفينا فهمها . * * * خرج عليه السلام إلى الناس ، غير ناظر إلى ما يكون من أمرهم معه ، ولكنه وقف على منبر أبيه ، ليؤبن أباه بعد الفاجعة الكبرى في مقتله صلوات اللّه وسلامه عليه . فقال : " لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الأولون ، ولا يدركه الآخرون . لقد كان يجاهد مع رسول اللّه فيقيه بنفسه . ولقد كان يوجّهه برايته ، فيكتنفه جبرئيل عن يمينه ، وميكائيل عن يساره ، فلا يرجع حتى يفتح اللّه عليه . ولقد تُوفي في الليلة التي قبض فيها موسى بن عمران . ورفع بها عيسى بن مريم ، وانزل القرآن . وما خلّف صفراء ولا بيضاء الا سبعمائة درهم من عطائه ، أراد أن يبتاع بها خادماً لأهله ( 1 ) " . وتأبين الحسن هذا - بأسلوبه الخطابي - فريد لا عهد لنا بمثله ، لأنه - كما ترى - لم يعرض إلى ذكر المزايا المعروفة في الراحل العظيم ، كما هي العادة المتبعة في أمثال هذه المواقف ، ولا سيما في تأبين الرجال الذين احتوشوا الفضائل ، فكان لهم أفضل درجاتها ، ومرنوا على المكارم فإذا هم في القمة من ذرواتها ، علماً وحلماً وفصاحة وشجاعة وسماحة ونسباً وحسباً ونبلاً ووفاء واباء ، كعلي الذي حيّر المادحين مدح علاه . فلماذا يعزف الحسن عليه السلام ، فيما يؤبنه به عن الطريقة المألوفة في تأبين العظماء ؟ . ترى أكانت الصدمة القوية في مصيبته به ، هي التي سدّت عليه - وهو الخطيب المصقع وابن أخطب العرب - أبواب القول فيما ينبغي أن يقول ، أم أنه كان قد عمد إلى هذا الأسلوب قاصداً ، فكان في اختيار
--> ( 1 ) اليعقوبي ( ج 2 ص 190 ) وابن الأثير ( ج 3 ص 16 ) ومقاتل الطالبيين .